4 ديسمبر 2016
Click Here
السهم نيوز » مقالات الكتاب ديسمبر 21, 2015 | الساعة 10:35 م

تأميم القناة والعدوان الثلاثي 

هدي جمال عبد الناصر

هدى عبد الناصر

بدأت المعركة عندما أعلن جمال عبدالناصر فى 26 يوليو 1956، فى ميدان المنشية بالإسكندرية، قرار تأميم شركة قناة السويس، بعد أن سحبت الولايات المتحدة عرض تمويل السد العالى بطريقة مهينة لمصر، ثم تبعتها بريطانيا والبنك الدولى.
وقد أثار قرار التأميم ضجة عالمية، وقدمت بريطانيا احتجاجا رفضه جمال عبدالناصر، فالتأميم عمل من أعمال السيادة المصرية.لقد كانت الأيام التى أعقبت التأميم فعلا حرجة بالنسبة لجمال عبدالناصر، وكل لحظة فيها كانت تأتى بنبأ أو تحرك دولى جديد، ولكنه استطاع بمهارة أن يواجه المناورات السياسية من جانب هيئة المنتفعين بقناة السويس، ويتصدى لمؤامرة سحب المرشدين الأجانب التى هدفت الى إثبات أن مصر غير قادرة على إدارة القناة بمفردها، ثم يتحدى النشاط الاستعمارى المتزايد فى الأمم المتحدة.
ولكن كانت تدبر فى الخفاء مؤامرة ثلاثية بين بريطانيا وفرنسا واسرائيل، فى ضاحية سيفر بفرنسا، على أثرها بدأ هجوم اسرائيل الفجائى يوم 29 أكتوبر 1956.
وفى اليوم التالى قُدم لمصر إنذار من بريطانيا وفرنسا، يطلب إيقاف القتال، والقوات الاسرائيلية المعتدية مازالت داخل الأراضى المصرية! ويطلب من مصر ومن اسرائيل الانسحاب عشرة كيلو مترات عن قناة السويس، ثم يطلب من مصر ومن اسرائيل أيضا قبول احتلال بورسعيد والاسماعيلية والسويس بواسطة القوات المسلحة البريطانية – الفرنسية، من أجل حماية الملاحة فى القناة! واختتم الإنذار بأنه إذا لم يصل الرد فى خلال 12 ساعة، فإن الدولتين ستعملان على تنفيذ ذلك! ,وفورا أعلنت مصر أنها لا يمكن أن توافق على احتلال بورسعيد والإسماعيلية والسويس، وأبلغت مجلس الأمن، الذى عجز عن إصدار قرار بسبب استخدام بريطانيا وفرنسا حق الفيتو لأول مرة.وفى اليوم التالى للإنذار البريطانى الفرنسى – أى فى 31 أكتوبر – هاجمت الدولتان مصر، وبدأت غاراتها الجوية على القاهرة، وعلى منطقة القناة وعلى الإسكندرية.وفى هذه اللحظات المصيرية وجه جمال عبدالناصر بيانا من الإذاعة للشعب فى أول نوفمبر قائلا: سنقاتل ولن نسلم. وأنا أعاهدكم أننى سأقاتل معكم من أجل حريتكم لآخر قطرة فى دمى. ثم صدرت الأوامر بتوزيع السلاح على المواطنين.وبعد الإنذار البريطانى – الفرنسى تنبه جمال للمؤامرة، فقد أصبحت مصر تحارب فى جبهتين، جبهة اسرائيل على الحدود، وجبهة الاستعمار البريطانى الفرنسى فى الداخل، الذى يهدد باحتلال القناة.وهنا كان لابد من اتخاذ قرار سريع حاسم، وإحباط خطة العدو، وذلك فى يوم 31 أكتوبر، حيث أصدر جمال عبدالناصر الأوامر للقائد العام للقوات المسلحة بسحب جميع القوات الرئيسية المصرية من صحراء سيناء إلى غرب قناة السويس، وتُركت وحدات انتحارية لتواجه اليهود فى سيناء.
وقد بدأت عملية غزو مصر من جانب القوات البريطانية والفرنسة من بورسعيد، حيث ضُربت بالطائرات والأسطول، ولكنها لم تسلم. وفى الواقع فإن مقاومة بورسعيد للقوات البريطانية والفرنسية هى التى حركت العالم ضدهما.وهنا نتساءل : ماذا كان الموقف العربى خلال هذه المعركة؟ السعودية والأردن وسوريا عرضت المساعدة وفى نفس الوقت فإن الشعوب العربية فى كل مكان، من العراق إلى المغرب، كانت يدا واحدة مع مصر، والحديث لجمال عبدالناصر. “دخلنا هذه المعركة والقومية العربية كانت كلاما، وخرجنا منها والقومية العربية أصبحت عملا. بريطانيا اليوم لا يصلها بترول، لماذا؟ لأن العرب عرفوا كيف يضربون بريطانيا فى الصميم. العرب عرّضوا أنفسهم للخسارة، نسفوا أنابيب البترول، ومنعوا البترول عن بريطانيا وفرنسا. نحن اليوم أقوى مما كنا من عشرة أيام، لماذا؟ العرب كلهم اتحدوا”.لقد استنكر العالم الحر العدوان على مصر، واتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا فى 2 نوفمبر، بإيقاف القتال، وقد وافقت مصر عليه، ورفضته كل من بريطانيا وفرنسا واسرائيل.وفى اليوم التالى، قام الاتحاد السوفيتى بتوجيه إنذار الى بريطانيا وفرنسا، وأعلن عن تصميمه لمحو العدوان بالقوة، إذا لم ترجع الدولتان عن غيهما. وكان جمال عبدالناصر قد أرسل رسالة الى أيزنهاور كتبها بخطه، يخطره فيها أن الحكومة المصرية قررت طلب معاونة الولايات المتحدة لصد العدوان البريطانى الفرنسى المنتظر ضد حرية الشعب المصرى.ويتضح رد الفعل الأمريكى من مذكرة كتبها الرئيس الأمريكى أيزنهاور بخطه إلى دالاس فى أول نوفمبر، ذكر فيها أنه فى كل الحالات فإن الولايات المتحدة يجب أن تقود، حتى تمنع صدور قرار سريع شديد اللهجة من الأمم المتحدة، يضع الولايات المتحدة فى موقف حرج، سواء مع فرنسا أو بريطانيا أو مع باقى العالم. وأكد أيزنهاور أنه يجب بأى ثمن منع السوفيت من أن يحصلوا على قيادة عالمية من خلال إظهارهم الاهتمام بالدول الصغيرة.
وقد أمر  بأن تتحرك الولايات المتحدة بسرعة، لكى تكون قواتها جاهزة فى الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم، معربا عن أمل الغرب بالمحافظة على الوحدة مع العالم الاسلامى، وأيضا مع الهند.وفى الوقت نفسه أرسل جمال عبدالناصر يطلب مساعدة الاتحاد السوفيتى، من خلال الرئيس شكرى القوتلى، الذى كان فى زيارة إلى موسكو. وقد استجابت الحكومة السوفيتية بالإعراب عن استعدادهم لأن يقدموا لمصر كل ما تحتاج اليه من معدات وطائرات وأسلحة من مختلف الأنواع. وكان التحفظ الروسى الوحيد، هو أنهم لا يريدون دخول حرب عالمية.وهكذا حصلت مصر على تأييد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى فى معركتها ضد العدوان الثلاثى. وقبل ذلك جاء التأييد الصينى، بعد أن اعترفت مصر بالصين الشعبية فى 6 مايو من نفس العام. وقد أرسل الزعيم الصينى ماوتسى تونج الرسالة التالية لجمال عبدالناصر فى وسط المعركة السياسية فى 11 أكتوبر. إن الحكومة الصينية والشعب الصينى يؤيد بشدة الشعب المصرى فى كفاحه العادل، للحفاظ على سيادة واستقلال وكرامة مصر تحت قيادتكم الرائعة. ونحن نؤمن بعمق بأن الشعب المصرى سيحقق نصرا رائعا فى هذه المعركة. ماوتسى تونج. لقد خرج جمال عبدالناصر من معركة السويس بنصر سياسى عالمى، وأصبح زعيم الأمة العربية بلا منازع، والتف حوله الشعب المصرى كما لم يحدث من قبل.


التعليق بواسطة حسابك على فيس بوك !!

الموقع غير مسؤل عن التعليقات المنشورة